الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

23

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ في سورة الأنعام [ 11 ] ، وقوله : وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى في سورة طه [ 132 ] . و الَّذِينَ أَساؤُا هم كفار قريش ، والمراد بِآياتِ اللَّهِ القرآن ومعجزات الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . و السُّواى : تأنيث الأسوإ ، أي الحالة الزائدة في الاتصاف بالسوء وهو أشد الشر ، كما أن الحسنى مؤنث الأحسن في قوله لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى [ يونس : 26 ] . وتعريف السُّواى تعريف الجنس إذ ليس ثمة عاقبة معهودة . ويحتمل أن يراد ب الَّذِينَ أَساؤُا الأمم الذين أثاروا الأرض وعمروها فتكون من وضع الظاهر موضع المضمر توسلا إلى الحكم عليهم بأنهم أساءوا واستحقوا السوأى وهي جهنم . وفعل كانَ على ما هو عليه من التنبيه على تحقق الوقوع . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب عاقِبَةَ بالرفع على أصل الترتيب بين اسم كانَ وخبرها . وقرأه البقية بالنصب على أنه خبر كانَ مقدم على اسمها وهو استعمال كثير . والفصل بين كانَ ومرفوعها بالخبر سوغ حذف تاء التأنيث من فعل كانَ . و أَنْ كَذَّبُوا تعليل لكون عاقبتهم السوأى بحذف اللام مع أَنْ و بِآياتِ اللَّهِ : القرآن والمعجزات . والباء في بِها يَسْتَهْزِؤُنَ للتعدية ، وتقديم المجرور للاهتمام بشأن الآيات ، وللرعاية على الفاصلة . [ 11 ] [ سورة الروم ( 30 ) : آية 11 ] اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 11 ) استئناف ابتدائي ، وهو شروع فيما أقيمت عليه هذه السورة من بسط دلائل انفراد اللّه تعالى بالتصرف في الناس بإيجادهم وإعدامهم وبإمدادهم وأطوار حياتهم ، لإبطال أن يكون لشركائهم شيء من التصرف في ذلك . فهي دلائل ساطعة على ثبوت الوحدانية التي عموا عنها . وإذا كان نزول أول السورة على سبب ابتهاج المشركين لتغلب الفرس على الروم فقطع اللّه تطاولهم على المسلمين بأن أخبر أن عاقبة النصر للروم على الفرس نصرا باقيا ، وكان مثار التنازع بين المشركين والمؤمنين ميل كل فريق إلى مقاربه في الدين جعل ذلك الحدث مناسبة لإفاضة الاستدلال في هذه السورة على إبطال دين الشرك .